القاضي عبد الجبار الهمذاني
184
شرح الأصول الخمسة
المصحح لها غير هذه الصفة ؟ فإن قيل : وما تلك الصفة قلنا : لا يلزمنا بيانه على طريق الجدل ، غير أنا نتبرع فنقول : إن تلك الصفة إنما هو التحيز في الجوهر ، والهيئة في الكون . فإن قالوا لو كان كذلك لأدى إلى اختلاف المصحح ، وذلك مما لا يجوز . ألا ترى أن كون أحدنا حيا لما صحح كونه عالما قادرا لم يختلف البتة ، حتى وجب في كل عالم أن يكون حيا ، كذلك في مسألتنا لو كان التحيز هو المصحح للرؤية في الجوهر ، لوجب في كل مرئي أن يكون متحيزا ، والمعلوم خلافه . وجوابنا أنه لا يمتنع اختلاف المصحح ، ألا ترى أن المصحح لكون أحدنا عالما قادرا حيا موجودا ، إنما هو كون القديم تعالى قادرا عالما حيا . ثم ليس يجب أن يكون المصحح لهذه الصفات فيه تعالى ما ذكرناه ، بل المصحح لها ما هو عليه في ذاته ، كذلك في مسألتنا . ومما يتعلقون به أيضا ، قولهم : إن إثبات الرؤية للّه تعالى لا تؤدي إلى حدوثه ، ولا إلى حدوث معنى فيه ، ولا إلى تشبيهه بخلقه ، ولا إلى تجويره في حكمه ، ولا إلى تكذيبه في خبره ، فيجب أن تثبت الرؤية للّه تعالى ويقال إنه مرئي . وهذه شبهة مسترقة من شيخنا أبي علي ، فإنه قال في كتاب « من يكفر ومن لا يكفر » أن إثبات الرؤية للّه تعالى على ما يقوله هؤلاء الأشعرية لا يكون كفرا لأنه لا يؤدي إلى حدوثه ولا إلى حدوث معنى فيه وعدّ هذه الأمور ، فظن القوم لجهلهم أن هذا يدلهم على إثبات الرؤية . فيقال لهم : إن نفي الرؤية عن اللّه تعالى لا يؤدي إلى حدوثه ، ولا إلى حدوث معنى فيه ، ولا إلى تشبيهه بخلقه ، ولا إلى تجويره في حكمه ، ولا إلى تكذيبه في خبره ، فيجب أن ننفي عنه الرؤية ، وهذه الطريقة تسمى قلب التسوية . وبعد ، فإن إثبات جبريل عليه السلام في السماء السابعة لا يؤدي إلى حدوث القديم تعالى ، ولا إلى حدوث معنى فيه ، ولا إلى تشبيهه بخلقه ، ولا إلى تكذيبه في خبره . ثم لا يجب أن يقال : إن جبريل في السماء السابعة ، وكذلك فإن إثبات بلدة عظيمة بين الري وأصفهان أعظم منهما لا يؤدي إلى ذلك ففسدت هذه الطريقة . ثم يقال لهم : إن إثبات الرؤية يؤدي إلى حدوثه ، وإلى حدوث معنى فيه ، وإلى تشبيهه بخلقه ، وإلى تجويره في حكمه ، وإلى تكذيبه في خبره ، لأن الشيء إنما يرى إذا كان مقابلا ، أو حالا في المقابل ، وهذه من صفات الأجسام فيجب أن يكون القديم تعالى جسما وإذا كان جسما يجب أن يكون محدثا ، لأن الأجسام لا تخلو من المعاني